في الطفولة :عبدالجيد بنجلون

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 7 نوفمبر 2016 - 3:45 صباحًا
في الطفولة :عبدالجيد بنجلون

لو أنني كنت أعرف شيئًا عن الأفلاك والأبراج وطوالع الكواكب لما نفعني ذلك في معرفة هل اليوم الذي ولدت فيه كان يوم سعد أو يوم نحس, ذلك أنني لا أجهل هذه الأشياء فحسب, ولكنني أجهل اليوم الذي ولدت فيه أيضًا.

ولست حانقًا في ذلك على أحد, لأنه يتناسب مع الغموض الذي أحسُّه كلما حاولت أن أتذكر أيامي الأولى, وماذا يفيد الإنسان أن يعرف الساعة واليوم والشهر والسنة التي ولد فيها, ما دامت السنون التي سوف يقضيها في الحياة مجهولة, وما دام هناك مقياس للطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة, وهو أصدق في الدلالة على عمره من أيام يشغل نفسه بعدِّها.

لا أستطيع أن أتذكر بالطبع كيف شرعت في الحياة, ولكن لا شك في أنني كنت أرفع صوتي بالعويل في الشهر الأول, ولا شك أن ملامحي كانت رخوة ليتمكن الناظر إليها من تخيل الشكل الذي سيتخذه في النهاية هذا المخلوق الجديد. ولا شك في أن أول ما أحببته من الدنيا الجديدة التي أقبلت عليها كان هو الرضاع, وأن أول مكروه أصابني هو الفطام.

إنني كلما انحدرت مع الماضي أفضت بي الحوادث في النهاية إلى عالم غامض, مثل الذي استفاق من حلم نسيه قبل أن يستفيق, لا يمنعه هذا النسيان من تذكر العاطفة التي كانت مسيطرة عليه أثناءه, فهو يستطيع أن يقول إن الحلم كان مزعجًا أو هنيئًا, بالرغم من أنه لا يتذكر منه شيئًا. أما العاطفة التي أكاد أشعر بأنها كانت مسيطرة على نفسي في ذلك الحين, فهي مزيج مبهم من الاستغراب والخوف والتطلع. كنت كالذي اكتشف حدود مدينة قديمة فجأة, أستغرب للفجأة, وأخاف مما قد يكون في داخل المدينة, ولكن تطلعي الممزوج بالفضول يدفع خطواتي إليها.

حتى إذا كبرت قليلاً واستأنست بالمحيط الذي ولدت فيه بدأ الأمن يعود إلى نفسي. ولكن هذه المرحلة أيضًا لا تدخل في دائرة الذكريات. قيل إنني ولدت في مدينة الدار البيضاء ثم قضيت في تلك المدينة بضعة أشهر, ثم ركبت البحر بين ذراعي أمي إلى إنكلترا. وقد كان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى, أي أنني مررت في بلاد حديثة العهد بالحرب, ومع ذلك لا أذكر منها شيئًا يدل على أنني كنت أنتفع بالنظر أو التمييز.

وقد عرفت الحياة لأول مرة في مدينة منشستر, ولا بد أن وقتًا ليس بالقصير قد مر قبل أن تبتدئ ذاكرتي في اختزان الصور. والصور الأولى القديمة التي أحتفظ بها في نفسي قليلة تعد على أصابع اليد.

فتحت عيني فإذا أنا في منزل قديم يحيط به الغموض والإبهام, كانت حديقة كبيرة تقع خلفه كثيرا ما أشرفت عليها من النافذة, وتقع أمامه حديقة صغيرة يحدها حاجز حديدي طويل يقوم بين المنزل والشارع ويخترقها ممشى قصير يفضي إلى بوابة عالية من حديد. كان البيت يتألف من ثلاثة أدوار, كبير الأبهاء والغرف ضخم النوافذ ملون الزجاج. وكانت هذه الأوصاف تجعلني لا أطمئن إليه أبدا. ولم يكن للحديقة الخلفية الكبيرة بستاني, ولذلك كانت وحشية النباتات, تنتهي بأشجار ضخمة تبعث رعباً مبهما في النفس. وكنت أرى من آن لآخر هرّا أو كلبا يجري خلال الأعشاب, ثم يقفز فوق الحاجز ويختفي . وكثيرا ما ساءلت نفسي عن هذه الأشياء التي تتحرك ومع ذلك فهي ليست في شكل الإنسان, وما أزال أذكر أن هرًّا عظيم الهامة داهمني ذات يوم, فصرخت حتى كاد يغمى عليّ. ومما زاد في يقيني بأن هذه المخلوقات مخلوقات شريرة أن أهل المنزل كانوا يطاردونها. وكانت النوافذ الضخمة ذات الزجاج الملون تثير في نفسي القلق لضخامتها وللأضواء الملونة الحزينة التي كانت تنفذ منها, أضف إلى هذا الضباب والثلوج وشدة البرد, فقد تعاون ذلك كله على إثارة خيالي العاجز, حتى تأصل الرعب في نفسي.

أما الأشخاص الذين كانوا حولي فهم أبي وأمي والمربية. وكانت علاقتي بالمربية أمتن من علاقتي بأبي الذي كان يغيب عن المنزل طول النهار فلا أراه إلا ليلاً, وأمتن من علاقتي بأمي فقد كانت شابة ضعيفة; لا تمكنها صحتها الواهية من الاهتمام بي.

وكانت المربية مثلنا من مراكش, ولم أكن أفارقها لا في الليل ولا في النهار, وكنت أستغرب لكثرة ما تعرف, فهي لا تنفك تحدثني عن بلاد بعيدة تقول إننا جئنا منها, بلاد تشبه أحداثها أحداث الخرافات والأساطير, وكانت تروي لي كذلك أقاصيص الصغار. وقد كان لمثل هذه الأساطير عليّ تأثير شديد حتى نشأ عندي بعد ذلك ميل إليها, وقد أثارت في نفسي عالما يعج بالأشباح والحيوانات والمخلوقات الخيالية.

وقد كنت متأكدا من أننا أربعة أشخاص نعيش في هذا المنزل, كما كنت متأكدا من أنني أعرف كل غرفه ومداخله ومخارجه, بحيث لم يكن عندي أي شك في أنه لا يمكن أن يكون هناك أحد لم أره, فما راعني ذات يوم إلا أننا أصبحنا خمسة أشخاص! فمن أين أتى هذا الشخص الخامس?! هو طفلة صغيرة اندست بيننا وأزعجتنا بعويلها وصراخها. وقد كنت أعرف أن الذين يزوروننا ليسوا منا, فلا داعي للاستغراب من وجودهم, ولكن هذه الطفلة منا وهم يقولون عنها إنها أختي.

راقني جدّا أن تكون لي أخت. ولست أستطيع أن أنسى الغبطة التي شعرت بها عندما رفعوني لأنظر إليها وهي نائمة في مهدها. ومن يدري?! لعلها أعادت إلى ذهني ذكريات كانت قريبة مني يومذاك, ولكنها ضاعت مني الآن بعد أن تراكمت عليها الأيام والسنون.

واقترن بهذا الحادث حادث آخر كاد يُطير صوابي, ذلك أننا تعارفنا مع عائلة إنكليزية تدعى (آل باترنوس) وهي تشمل أمّا وثلاث فتيات وشابين, وكثرت بيننا الزيارات حتى توثقت وشائج الود بيننا, وكان هؤلاء الأفراد يحبونني برعايتهم ومحبتهم, وربما قضيت في منزلهم اليومين أو الثلاثة. وكان منزلهم الصغير يذهب عن نفسي ما أحس به من الوحشة في منزلنا, ولذلك كنت أحرص على أن أصحبهم إليه كثيرا, ثم بدأت أشعر بأنهم يتحاشون مصاحبتي معهم, وبدأت أسمع أن الأم مريضة, ثم قيل ذات يوم إننا سنزورهم. وما كدت أقترب من البيت مع المربية حتى شعرت بأن سحابة من الحزن تظلله. ودخلناه فإذا بجو غريب مكتئب يملأ أرجاءه, وإذا بالدموع الصامتة تنحدر من العيون, والذهول مرتسم على الوجوه, وقضينا بعض الوقت لاحظت خلاله حركة غير عادية محورها غرفة في الدور الثاني. حاولت أن أفهم ولكنني لم أستطع, حتى إذا انصرفنا سألت المربية ونحن في الطريق:

– لماذا يبكون يا ماما?

– مسز باترنوس.

– ما لها?

– كانت مريضة.

– هل يبكون لأنها كانت مريضة?

– لا.

– وإذن لماذا يبكون?

– لأنها سافرت وسوف لا ترجع أبدا, فلا تستغرب إذا أنت زرتهم ولم تجدها. سافرت إلى بلاد بعيدة, لا يرجع منها من يسافر إليها.

ثم قالت وكأن الكلمة قد أفلتت منها: ماتت يا بنيّ.

ماتت! إنه فعل أسمعه لأول مرة. وبالرغم من أنني لم أعرف مدلوله, فقد أحسست بقشعريرة تسري في جسمي الصغير, فسألت:

– ماذا يعني ماتت?

– ذهبت عند الله.

– ومن هو الله?

همست بنزعتها الدينية: اسكت.

ثم بعد هنيهة أردفت:

– حينما نجلس في المساء إلى المدفأة سأحدثك عنه.

وجلسنا إلى المدفأة في المساء وقد استولى على نفسي هذا الحوار منذ سمعته فلم أفكر في شيء غير الله والموت.

وكانت الغرفة كبيرة ذات نوافذ عالية تظهر من ورائها الحديقة الموحشة, وذات أثاث ضخم عتيق. وكانت النار تلتهب في الموقد بألسنة لافحة حمراء, ولست أدري هل كانت ماما – وهكذا كنت أدعوها – تروي لي قصصها, أو كنا في صمت. ذلك أنني كنت أرنو إلى النار وقد استولى عليّ ما سمعته في الصباح.

وبدأ الليل يسدل أستاره, وأخذت ذراته السوداء تتسرب إلى الغرفة الكبيرة فتشيع فيها مسحة من الغموض, ويزيدها ضوء اللهب الأحمر رهبة وجلالاً, وكذلك الأشجار الموحشة التي كانت تبدو وكأنها أشباح شوهاء قائمة في الحديقة. وانتظرت من مربيتي أن تحدثني عن الله والموت فلم تفعل. وأخيرا سألتها دون مقدمة:

– لماذا لا يرجع من يسافر إلى الله?

– لأنه لا يستطيع الرجوع.

– ولماذا يسافر?

قالت وقد انعكس على محياها ضوء اللهب الأحمر, وبدت تقاطيع وجهها الحادة كأنها تمثل صرامة القدر, وكانت معانيها تتسرب إلى نفسي مجردة فيخيل إليّ أن صوتها يأخذني من كل مكان:

– هناك عالم آخر يا بني خفي عن الأنظار, ونحن نقضي في هذا العالم عمرنا, ثم نموت فتدفن أجسامنا في الأرض وتنتقل أرواحنا إلى ذلك العالم الآخر. ويخلقنا الله حتى إذا متنا حاسبنا على الأعمال التي نقوم بها. فإذا كنا أخيارا أرسلنا إلى الجنة حيث نعيش دائما في سعادة, وإذا كنا أشرارا أرسلنا إلى نار نحترق فيها, ولذلك فلا بد من أن تحاسب نفسك وألا تقوم بالأعمال التي لا يحبها الله, حتى لا يحكم عليك بالاحتراق حينما تموت.

لست أذكر أن حديثا أثار نفسي مثل هذا الحديث, فقد كانت كل كلمة من كلماته تهزني هزّا عنيفا, ولم أفكر في الجنة ولا في السعادة الموعودة وإنما فكرت في النار, وكنت أنظر إليها بعينين ضارعتين متوسلتين كما لو كان في استطاعتها أن تنقذني من هذا المصير المروع الذي ينتظرني. فقلت لها لكي أتأكد مما تقول:

– وهل سأموت أنا أيضا يا ماما?

– أنت وأنا وكل من في الدنيا.

– ولكن الله لن يبعثني أنا إلى النار?

– إذا فعلت الخير.

– وإذا فعلت الشر فسيأتي أبي وتأتي أمي وأنت فلا تدعونه يرسلني إلى هذه النار. أليس كذلك يا ماما?

– لا يتدخل أحد في شؤون الآخر هناك يا بني. ثم سمعتها تقول باللغة العربية دون أن أفهم. “لا إله إلا الله, محمد رسول الله, عليها نموت وعليها نحيا.”

شعرت بيأس رهيب يتملكني , وكانت عيناي مثبتتين في اللهب المضطرم الراقص أمامي, وخيل إليّ أن ألسنته تتطاول لتلتهمني, وكان تفكيري مركزا في النار حتى إنني كنت أحس بروحي تصرخ بين ألسنتها.

يا لليأس! لا مفر من أن أموت في يوم من الأيام, فيلقى جسمي في التراب المظلم ويظل هناك إلى الأبد يصرخ ويبكي, وتلقى روحي في النار وتظل هناك تصرخ وتبكي إلى الأبد أيضا, فلا أظفر بمساعدة أبي ولا أمي كما أظفر بها في الدنيا, ولا يأتي لإنقاذي أحد.

منذ ذلك اليوم أقتطع من نومي جزءا ليس بالقليل, وعجّت أحلامي في النوم واليقظة بصور مرعدة مبرقة. كنت أتمنى من صميم قلبي أن أجد شخصا يقول لي إن هذا غير صحيح, فلم أجده, وكان كل واحد يروي نفس الخبر ويختمه بدعوتي إلى عمل الخير, الأمر الذي ضايقني. فكيف أستطيع أن أفكر في الخير وأنا مهدد بكل هذا الويل والثبور?

وأبت الحياة بعد هذا الحادث مباشرة إلا أن تصيبني بحادثة أخرى أشد وأقسى.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الحدث الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.